كريم نجيب الأغر

524

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

ونفهم من الحديث السابق أن الرجل البغي الذي يطغى على الناس له عرق ( أي صبغية ) يعطيه صفة الغي والغلظة ، كما نفهم من الحديث أن الرجل الغي قد يرث من أمه صفة الغي من خلال العرق الذي ينحدر من أمه . وتفصيله : أن ضمير الهاء في « منه » قد يعود للغي وقد يعود للولد . فإن عاد للولد أصبحت وظيفة كلمة « من » في « منه » لابتداء الغاية « 1 » وأصبح المعنى على هذا النحو : لا يبغي على الناس إلا ولد غيّة ، وإلا من فيه ( أي في الابن ) عرق غيّ من هذا الولد - أي منحدر من هذا الولد ( أي من الأب ) - . وإن عاد للغي أصبحت وظيفة كلمة « من » في « منه » للجنس أو للتبعيض . فإن كانت للجنس أصبح المعنى على هذا النحو : لا يبغي على الناس إلا ولد غيّة ، وإلا من فيه عرق من الغي - بمعنى : من فيه عرق من جنس الغي - . وإن كانت للتبعيض أصبح المعنى على هذا النحو : لا يبغي على الناس إلا من فيه عرق من الغي - بمعنى من فيه بعض من هذا الغيّ ، أو جزء من الغي - ، أي أن العرق يولّد القليل من الغي . والذي يؤيّد أن المراد من الحديث هو طبع الغي ، أي طبع الفساد ، وأنه يورّث : الحديث الصحيح : عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « تجدون النّاس معادن خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ، وتجدون خير النّاس في هذا الشّأن أشدّهم له كراهية ، وتجدون شرّ النّاس ذا الوجهين الّذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه » [ أخرجه البخاري ح 116 ] ، فهذا الحديث يشير إلى أن الناس معادن ، والمعدن هو الشيء المستقر في الأرض ، وهو على أنواع مختلفة من خسيس وجيّد ، وهذا يعني أن اللّه خلق الناس من أتربة مختلفة مقابلة مع الحديث الشريف : « إن اللّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك ، والخبيث والطيب وبين ذلك » [ أخرجه الترمذي ح 64 ] . جاء في فتح الباري بشرح صحيح البخاري للحديث السالف ذكره « 2 » : « قوله : والمعادن جمع معدن ، وهو الشيء المستقر في الأرض ، فتارة يكون نفيسا وتارة يكون خسيسا ، وكذلك الناس » . وهذه الأتربة أعطت عروقا

--> ( 1 ) راجع مبحث « النطفة / السلالة » . ( 2 ) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، لابن حجر ، تفسير حديث رقم 3494 .